صحة وتغذيةكولكشنمنوعات

كيف أصبح اللبن غذاءً أساسياً في حياتنا اليومية؟

كيف أصبح اللبن غذاءً أساسياً في حياتنا اليومية؟

يعتبر اللبن، ومعه الخبز، من المكونات الأساسية للنظام الغذائي في الغرب. لكن الصحفية العلمية فيرونيك جرينوود تكشف لنا أن هذه ظاهرة حديثة جدا.
يشغل اللبن مكاناً مهما يدعو للتساؤل والفضول في آن واحد بين الأغذية التي تعد مكونا أساسيا في المتاجر الحديثة، فهو هناك جنباً إلى جنب مع الخبز باعتباره واحداً من الأطعمة الأساسية والمواد الغذائية البالغة الأهمية في الغرب.
وعندما تهدد العواصف والأعاصير الولايات المتحدة الأمريكية تخلو المحال التجارية من الخبز واللبن، والمناديل الورقية.
لكن شرب اللبن على نطاق واسع يعتبر في الواقع تطوراً حديثاً نسبياً؛ ففي أوروبا والولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، كان الذين يفترض أنهم يستهلكون لبن البقر بانتظام هم الأطفال في المقام الأول. وكان وجود كوب كبير مثلج من اللبن إلى جانب طبق الإفطار الخاص بكل شخص أمرا مستغربا في ذلك الحين.
أما الجبن والزبد فلهما تاريخ أطول كسلع تستهلك على نطاق عالمي. وعلى مدى قرون، كانا يعدان وسيلة جيدة للحفاظ على اللبن لفترة لاحقة، بالنظر إلى أنهما يظلان طازجين لوقت أطول من اللبن.
وقد بدأت شركة نستله، والمعروفة اليوم كشركة متعددة الجنسيات وتضرب بجذورها في عالم صناعة الشوكولاته، في الدخول إلى عالم منتجات الألبان بصناعة لبن البودرة، ومختلف الوصفات الخاصة بالأطفال الرضع.
لكن اللبن الطازج في حد ذاته كان وحده طعام الرضع، وقد أخذ استهلاكه يتسم بالخطورة شيئاً فشيئاً مع انتقاله بعيداً عن المزارع التي تنتجه، مما يوفر بيئة خصبة للبكتريا، ويكون أيضا عرضة للغش بالطباشير أحيانا، أو وبالماء من قبل من يقومون بإعادة بيعه من معدومي الضمير.
وتعزو المؤرخة ديبورا فالينز ظهور اللبن غير المحتمل كطعام كامل، وتقديم الخبز إلى جانبه أحيانا، إلى عدة عوامل متفرقة تصادف وقوعها معا قرب نهاية القرن التاسع عشر، ومع دخول القرن العشرين.
ومع ارتفاع معدل وفيات الأطفال في المدن، بدأت المقاييس والممارسات الخاصة بسلامة اللبن، مثل عملية البسترة، تصبح أكثر أهمية.

كيف أصبح اللبن غذاءً أساسياً في حياتنا اليومية؟

وفي غضون تلك الفترة، كان هناك اهتمام متزايد بعلاج الناس بالغذاء، وإعطاء المرضى أنقى وأبسط الأغذية، وهي فكرة اعتنقها جون هارفي كيلوج، مخترع رقائق الذرة المعروفة باسم “الكورنفليكس”، وكبير الأطباء في مصحة شهيرة في مشيجان، وكثيرون من أمثاله.
تقول فالينز: “لعلك تقول إن ذلك كان عصر الأطعمة الصحية والحركات الداعية للحفاظ على الصحة “
وتتسم الحياة العصرية، وكذلك الطعام، بالتعقيد والفساد، لكن اللبن الذي يستهلكه كل واحد في مقتبل حياته كان بسيطاً وطبيعيا، وغير معالج بمفهوم ذلك الزمان. هذا فضلاً عن احتوائه على الدهون والكربوهيدرات والبروتين، وثلاثتهم مكونات يحتاجها جسم الانسان.
عامل الاعتدال
لكل دولة روايات مثيرة للاهتمام فيما يتعلق باللبن، ففي مطلع القرن العشرين في ألمانيا ـ حسبما تقول المؤرخة باربارا اورلاند من جامعة بازل، ارتبط ظهور رجال يشربون اللبن بالحركات الداعية للاعتدال في معاقرة الخمر، فضلاً عن البحث عن الطعام البسيط والصحي.
ففي مسعى لإحداث تحول في ثقافة شرب الجعة والمشروبات الروحية، خاصة في أوساط عمال المصانع، كانت جماعات الضغط الداعية للاعتدال والمعارضة لتعاطي الخمور والكحوليات تسعى جاهدة من أجل تقديم اللبن في المصانع، بل دعت إلى إقامة أكشاك في المدن لبيع اللبن، وقد حققت بعض النجاح في ذلك.
ومع تعمق الباحثين في المعرفة بأمور التغذية في العقود الأولى من القرن العشرين، تضاءلت فكرة وجود الدهون والكربوهيدرات والبروتين كمبرر لحالة الكمال التي يوجد عليها اللبن.
لكن دوره كمصدر للفيتامينات التي تم اكتشافها حديثاُ ساعد في الإقبال عليه، كما أن فكرة أنه قادر إلى حد ما على تصحيح جوانب النقص في أي نظام غذائي لاقت رواجاً واضحا.
وقد كتب المر ماك كولام، من علماء الكيمياء الحيوية، وأحد علماء التغذية، كتاباً مؤثراً عام 1918 بعنوان “المعرفة الأحدث بالتغذية”، وقد وصف فيه اللبن بأنه “أهم مادة غذائية بلا شك”.
وقد أسعد هذا الكلام صناعة منتجات الألبان، لأن الفلاحين كانوا ينتجون كميات أكبر كثيراً مما يستطيعون بيعه، ودخل الكثير منه في صناعة الحلوى، واللبن المركب، بل وصناعة البلاستيك.
فكما لاحظت فالينزا، شاع مع نشوب الحرب العالمية الثانية استخدام البلاستيك المصنوع من اللبن في صناعة الطائرات، ولكن دفع الناس لشرب المزيد من اللبن كان على قمة أولويات أجندة المزارعين.
وقد هبت عاصفة قوية في عام 1920، عندما تضافرت جهود مجتمع الزراعة، والمجتمع العلمي والحكومات معاً من أجل توصيل رسالة الكمال الغذائي للبن، كما تقول فالينزا.

اللبن غذاء أساسي

لكن الإجماع اليوم بات أقل تاكيداً في هذا الصدد. فكثرة الدهون في اللبن كامل الدسم بصفة خاصة قد أثارت الشكوك حوله. كما أخفقت الدراسات الموسعة في العثور على رابط بين استهلاك اللبن وانخفاض حالات كسورالعظام، وهي إحدى المنافع التي يفترض أن يعمل عليها شرب اللبن.
ومن الممكن أن يتبع المرء حمية غذائية صحية بدون اللبن، لكننا ما زلنا نعتقد أن اللبن غذاء أساسي.
لكن فهم الكيفية التي أصبح بها اللبن هو المشروب المحبب لدى معظمنا، كما هو الحال اليوم، يثير بعض الأسئلة المهمة من قبيل: هل كان بإمكاننا أن ننتهي إلى شرب شيء آخر كل صباح؟ وهل حساء القمح المركز قد يكون ذلك الشراب؟ أو ربما عصير طماطم مثير للشهية؟
تقول فالينزا إن اللبن استفاد من معاملة ثقافية بعينها، وهي حكاية نسجت حول خصائصه الكيميائية والاجتماعية التي مجدته، وثمنته، ورفعته إلى مستويات ترقى إلى حد الافتتان به، وهي مستويات قد لايستحقها بالكامل.
فهل هناك أي أطعمة اليوم تعامل مثلما عومل اللبن؟ وتضيف فالينزا: “إن الناس دائما يبحثون عن سلعة ساحرة، أو ما يسمى بالرصاصة السحرية”.
واليوم، توجد أطعمة حديثة يولع بها الناس، وتصحبها مبررات علمية وأحكام أخلاقية في كل مكان حولنا. وسيكون من الطريف أن نرى أيا من هذه الأطعمة سيصمد طويلا.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

two + twelve =